الغزالي

189

إحياء علوم الدين

وعن عبد الله بن أبي وداعة ، قال كنت أجالس سعيد بن المسيب ، فتفقدنى أياما ، فلما أتيته ، قال ، أين كنت ؟ قلت توفيت أهلي فاشتغلت بها . فقال هلا أخبرتنا فشهدناها قال ثم أردت أن أقوم ، فقال هل استحدثت امرأة ؟ فقلت يرحمك الله تعالى ، ومن يزوجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة ؟ فقال أنا ، فقلت وتفعل ؟ قال نعم . فحمد الله تعالى ، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ، وزوجني على درهمين أو قال ثلاثة . قال فقمت وما أدرى ما أصنع من الفرح . فصرت إلى منزلي ، وجعلت أفكر ممن آخذ ، وممن أستدين ، فصليت المغرب ، وانصرفت إلى منزلي ، فأسرجت ، وكنت صائما ، فقدمت عشائي لأفطر وكان خبزا وزيتا ، وإذا بابي يقرع . فقلت . من هذا ؟ قال سعيد . قال فأفكرت في كل إنسان اسمه سعيد ، إلا سعيد بن المسيب . وذلك أنه لم ير أربعين سنة إلا بين داره والمسجد قال فخرجت إليه ، فإذا به سعيد بن المسيب . فظننت أنه قد بدا له . فقلت . يا أبا محمد ، لو أرسلت إلىّ لأتيتك . فقال . لا ، أنت أحق أن تؤتى . قلت فما تأمر ؟ قال إنك كنت رجلا عزبا فتزوجت ، فكرهت أن أبيتك الليلة وحدك ، وهذه امرأتك . وإذا هي قائمة خلفه في طوله . ثم أخذ بيدها ، فدفعها في الباب ورده . فسقطت المرأة من الحياء . فاستوثقت من الباب ، ثم تقدمت إلى القصعة التي فيها الخبز والزيت ، فوضعتها في ظل السراج لكيلا تراه . ثم صعدت السطح ، فرميت الجيران ، فجاؤني . وقالوا ما شأنك ؟ قلت ويحكم ! زوجني سعيد بن المسيب ابنته اليوم ، وقد جاء بها الليلة على غفلة . فقالوا أو سعيد زوجك ؟ قلت نعم . قالوا وهي في الدار ؟ قلت نعم . فنزلوا إليها . وبلغ ذلك أمي فجاءت وقالت ، وجهي من وجهك حرام إن مسستها قبل أن أصلحها إلى ثلاثة أيام . قال فأقمت ثلاثا ؟ ثم دخلت بها ، فإذا هي من أجمل النساء . وأحفظ الناس لكتاب الله تعالى وأعلمهم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأعرفهم بحق الزوج . قال فمكثت شهرا لا يأتيني سعيد ولا آتيه . فلما كان بعد الشهر أتيته وهو في حلقته ، فسلمت عليه ، فرد عليّ السلام ، ولم يكلمني حتى تفرق الناس من المجلس . فقال : ما حال ذلك الإنسان . فقلت : بخير يا أبا محمد ، على ما يحب الصديق ويكره العدو ، وقال إن رابك منه أمر فدونك والعصا ، فانصرفت إلى منزلي فوجه إلىّ بعشرين ألف درهم